سؤال وجواب

تاريخ

لاهوت

روحانيات

الرئيسية

إن المسيحية إنما إنتشرت في العالم على يد الرسل الإثني عشر وتلاميذ المسيح الإثنين والسبعين. فإنهم بعد حلول الروح القدس...

 

قصص وحكايات

إقرأ الكتاب المقدس في عام

إنجيل الأسبوع

تحميل

روابط

اتصل بنا

 

سراج الجسد هو العين

 

 

 

يوسف جريس شحادة

   

 

قال البشير متى: "سراج الجسد هو العين، فإن كانت عينك بسيطة فجسدك كله يكون نيّرا، وان كانت عينك شرّيرة فجسدك كله يكون مظلما، فإنْ كان النّور الذي فيك ظلاما فالظلام كم يكون".

يسير الجسد بحسب توجيه العين وهي "العين" المرشِد الموجّه للإنسان فإذا ارتفعنا بأعيننا نحو عرش السّماء كذا أحاسيسنا وسلوكنا ومشاعرنا تسمو نحو السماويات والعكس تماما فيما لو نظرنا نحو الأرضيات.

يشبّه القدّيس يوحنّا الذّهبي الفم العين "بالقائد"، وإذا وقع ماذا ينفع الجند "الجسد"؟ والعين مثل "ربّان" السفينة "إن هَوت للغرق بفقدان قائدها فما ينفع الجند والخيرات التي على متنها؟!

أي ليس من يجمع الخيرات يصل إلى الميناء لذا يقول القدّيس اوغسطينوس: "نفهم من هذه العبارة أن جميع أفعالنا تكون نقيّة ومرضية في نظر الله إن صنعناها بقلب بسيط، أي إنْ كان هدفنا فيها سماويّا، متطلعين إلى تلك الغاية التي هي المحبّة، لأنّ المحبّة هي  تكميل الناموس.

"العين" بمثابة "النيّة"، فكلما كانت نيّتنا نقيّة وسليمة {النظر إلى السماويات} فأعمالنا صالحة نيّرة وهذه التي لقّبها الربّ: "جسدك كلّه"، وقال الرسول بولس: "فأميتوا أعضاءكم التي على الأرض الزنى والنجاسة والفجور والشهوة الرديئة والبُخل الذي هو عبادة وثنٍ".

إذن العين تشير إلى روح التمييز أو الحكمة، فإذا كانت العين مظلمة فتجعل جسدنا كله مظلما "فإن كان النور الذي فيك ظلامًا فالظلام كم يكون" إذا جاز التعبير "العين –  الحكم" مظلما خاطئا إذن حتمًا أفكارنا وأعمالنا تنغمس في عتمة الخطية العظمى الكبرى.

أما عبارة "بسيطة" عكس "المعقّد والمركّب" فان هذه العين لا تنظر في اتجاهين ولا تحمل أهدافًا متضاربة وإنما تسير وتنظر في اتجاه واحد وكما يقول مار فلوكسينوس: "لقد أعطانا ربنا مبدأ سهلا في بشارته ألا وهو الإيمان الحق البسيط –  فالبساطة ليست هي المعروفة بالعالم بالبلادة والخرافة بل هي فكر واحد بسيط فريد".

وما هو العدو الأول للبساطة "حب المال" ويقول الربّ: "لا يقدر احد أن يخدم سيّدين، لأنه إمّا أن يبغض الواحد ويحب الآخر أو يلازم الواحد ويحتقر الآخر، لا تقدرون أن تخدموا الله والمال".

إننا لا نتحدث هنا عن المال بل "حب المال"، يسمّى حبّ المال سيّدا ليس بطبيعته الخاصّة به وهكذا تدعى أيضًا "البطن" إلهًا: "وعاقبتهم الهلاك وإلههم البطن ومجدهم في خزيهم وهمّهم في الأرضيات".

وأما القدّيس اوغسطينوس فيشرح لنا أنّ من يخدم المال فهو يخضع للشيطان المهلك الناس فإذ يرتبك بشهوته ونزواته للمال فيلازم الشيطان ويقول: "إنسانا أحبّ خادمه لدى شخص قاسٍ، فرغم عدم محبّته لسيدها إلا انّه يخضع لعبوديته القاسية بسبب محبّته للخادمة".

المال ليس في ذاته إلها ولا ربّا بل يصير هكذا في حال جرّ القلب إلى الاهتمام به والاتّكال عليه والسعي من اجله حينها يدخل القلب والجسد إلى ظلمة القلق والتفكير الزائد وبالتالي فان محبّة المال تحصر الإنسان خارج حياته الحقّة، لذلك يقول رب المجد:" لذلك أقول لكم لا تهتمّوا لحياتكم بما تأكلون وبما تشربون، ولا لأجسادكم بما تلبسون. أليست الحياة أفضل من الطعام؟ والجسد أفضل من اللباس"؟.

يقول الذهبي الفم: "لا يقف الضرر عند الغنى ذاته وإنما يبلغ الجرح إلى الأجزاء الحيوية الذي فيه تفقدون خلاصكم، إذ يطردكم خارج الله الذي خلقكم ويهتم بكم ويحبّكم".

أما القديس اوغسطينوس: "فبالرغم من أننا لا نطلب الكماليات بل الأكل والشرب والملبس، لكن تخشى من أن يصير قلبنا مزدوجا حتى في طلب الضروريات فنحن نخشى أن ينحرف هدفنا إلى طلب ما هو لصالحنا الخاص حتى عندما نصنع رحمة بالآخرين مبررين ذلك بأننا نطلب الضروريات لا الكماليات. لقد نصحنا الرب أن نتذكر انه عندما خلقنا وهبنا جسدا وروحا وهما أفضل من الطعام واللباس، وبذلك لم يشأ أن تكون قلوبنا مزدوجة".

ويقول الرب: "انظروا إلى طيور السماء. إنها لا تزرع ولا تحصد ولا تجمع إلى مخازن، وأبوكم السماوي، يقوتها. ألستم أنتم بالحري أفضل منها؟ ومن منكم إذا اهتمّ يقدر أن يزيد على قامته ذراعًا واحدا؟ ولماذا لا تهتمون باللباس؟ تأمّلوا زنابق الحقل كيف تنمو، لا تتعب ولا تحصر ولكن أقول لكم انه ولا سليمان في كل مجده كان يلبس كواحدة منها. فان كان عشب الحقل الذي يوجد اليوم ويُطرح غدا في التنّور يلبسه الله هكذا، أليس بالحري يلبسكم انتم يا قليلي الإيمان؟ فلا تهتموا قائلين: ماذا نأكل؟ أو ماذا نشرب؟ أو ماذا تلبس؟ فان هذه كلها تطلبها الأمم، لان أباكم السماوي يعلمانكم تحتاجون إلى هذه كلها".

إن الله الذي خلق العالم كله لخدمتنا بأموره كلها وإذا اهتم الرب بكل الأمور وبالعبيد فكم بالسيد!

يقول القديس اوغسطينوس، إذا تعثّر علينا العمل لسبب ما فان الله يقوتنا كما يطعم الطيور التي لا تشتغل.

أما القديس كبريانوس: إن كان رب المحبّة يطعم طيور السماء فهل يعقل أن يترك الخليقة التي تدرك الإلهيات في عوز إلى مأكل أو مشرب؟ فهل يعقل أن يترك إنسانا مسيحيا أو خادما للرب معتازا إلى شيء!

فلنا أن نرى كيف أطعمت غربان السماء إيليا النبي وكيف اعد لدانيال لحم من السماء وهو في الجبّ فبعد هذا نخشى الاحتياج إلى طعام؟!

ويضيف كبريانوس: "انك تخشى فقدان ممتلكاتك عندما تبدأ أن تعطي بسخاء، ولا تعلم أيها البائس انه فيما تخاف على ممتلكات عائلتك تفقد الحياة نفسها والخلاص بينما تقلق لئلا تنقص ثروتك لا تدرك انك أنتَ نفسك تنقص! بينما تخشى أن تفقد ميراثك لأجل نفسك إذا بك تفقد نفسك لأجل ميراثك".

ويقول القديس هيلاري: "الزنابق تمثل جمال الملائكة السمائيين البهي الذين ألبسهم الله بهاء مجده. أنهم لم يتعبوا ولا غزلوا، إذ تقبّلوا من البدء ما هم عليه دائما. وإذ في القيامة يصير الناس كالملائكة أراد أن نترجى جمال الثوب السماوي، فنكون كالملائكة في البهاء".

ويبدع القديس جيروم بهذا المضمار حين يشبّه الرهبان كالطيور، أجل المتتبع تاريخيا لحركة الرهبنة يعلم أن للرهبان ليس لهم مخازن أكل ولكن لهم رب المؤن والمخازن – المسيح نفسه. ليس لهم غنى الشيطان بل فقر الرب يسوع.

وماذا يقول الشيطان "أعطيك هذه كلها إن سجدت لي" ورب المحبة يقول: من لا يبع ماله ويعطي الفقراء لا يقدر أن يكون تلميذا لي ولا  اعترف به أمام أبي السماوي ويعدنا الرب بالفقر المادي والغنى الروحاني لكي يحفظ الحياة.

الفقر المادي هو غنى الرب والحياة الأبدية مع رب المحبّة ونعبده ونسجد له لا للمال حاشا لنا معشر المسيح.

 
 

Copyright©  www.karozota.com

 
  
 

English