سؤال وجواب

تاريخ

لاهوت

روحانيات

الرئيسية

إن المسيحية إنما إنتشرت في العالم على يد الرسل الإثني عشر وتلاميذ المسيح الإثنين والسبعين. فإنهم بعد حلول الروح القدس...

 

قصص وحكايات

إقرأ الكتاب المقدس في عام

إنجيل الأسبوع

تحميل

روابط

اتصل بنا

 

                تفسير العظة على الجبل   "الجزء الثاني"

القديس يوحنا الذهبي الفم

ترجمة د/ جرجس كامل يوسف

 

 

   

 

11. ثم يسمو بهم إلى صورة أعلى:

"أنتم نور العالم" [ع14]

ومن جديد، هم "نور العالم" ليس لأمَّة واحدة أو لعديد من الدول، بل للمسكونة كلها.

وهم نور الذهن الأسمى كثيرًا من أشعة الشمس، كما سبق وشبههم "بالملح الروحي". أما الآن فيدعوهم "نورًا" ليكشف لنا عن مدى عظمة وكمال التحلي بهذه المبادئ والنفع الجزيل الذي يجلبه العليم السامي الضابط للنفس وحافظها من الثروى إلى طريق الهلاك والذي يوضح الرؤية أمام البشر آتيًا بهم إلى الحياة الفضلى.

 

تدريبهم على حياة التدقيق

"لا يمكن أن تُخفى مدينة موضوعة على جبل، ولا يوقدون سراجًا ويضعونه تحت مكيال" [ع13-14].

بهذا الكلام يدربهم أيضًا على حياة التدقيق. ويعلمهم أن يكونوا شديدي الحرص في سعيهم كمن تتجه إليهم أنظار الجميع. وكأبطال يجاهدون في وسط العالم.

وكأنه يقول لهم "لا تنظروا إلى كوننا الآن جالسين هنا في بقعة صغيرة من أرجاء الأرض، لأنكم ستكونون محط أنظار العالم أجمع، كمدينةٍ قائمةٍ على قمة جبلٍ عالٍ، وكسراجٍ في بيتٍ على منارةٍ ينير لكل من فيه.

أين هم الآن الذين يصرون على إنكار الإيمان بسلطان المسيح؟ ليتهم يسمعون هذه الأمور، ويمجدون قدرته، ويندهشون لهذه الرؤية النبوية لما هو عتيد أن يكون. فهؤلاء الذين كانوا مجهولين حتى في وطنهم الخاص سوف يوفهم البرّ والبحر، وسيبلغ صيتهم إلى أقاصي المسكونة، ليس كمجرد شهرة، بل بسبب أعمال الخير التي سيصنعونها. فليس مجرد الشهرة، أو الاسم هو الذي يذيع في كل مكان صيتهم، بل ممارستهم فعلاً للأعمال الصالحة. والتي كانت واضحة للعيان أمام الكل وكأن لهم أجنحة يطيرون بها أسرع من أشعة الشمس، يجوبون المسكونة كلها يبذرون نور التقوى والصلاح.

ويبدو لي في قول الرب لهم: "لا يمكن أن تُخفى مدينة على جبل"، أنه يدربهم على الجرأة في الحديث وقوة كرازتهم وقدرته التي سيعلنها بواسطتهم. لأنه مثلما لا يمكن إخفاء مدينة قائمة على جبل، هكذا من المستحيل أن يلف الصمت كرازتهم ويحيطها الغموض. وكما سبق وتكلم معهم عن الاضطهادات والوشايات والمكايد والحروب المزمع أن يواجهوها، وحتى لا يظنوا أن تلك الأمور يمكنها أن تعوق كرازتهم، ولكي يشجعهم نجده يقول: إن حياتهم وكرازتهم بالإنجيل لا يمكن أن تُخفى، بل تنير كل العالم، ولهذا ستطير شهرتهم إلى الآفاق، و يُذاع صيتهم في كل الدنيا.

بهذا يعلق الرب عن قوته الشخصية التي ستُستعلن للعالم بواسطتهم.

"ولا يوقدون سراجًا ويضعونه تحت مكيال، بل على منارة ليضيء لكل من في البيت. فليضيء نوركم هكذا قدام الناس، لكي يروا أعمالكم الحسنة، ويمجدوا أباكم الذي في السماوات" [ع15-16]

وكأني به يقول لهم:

الحق إنني أشعلت النور من جانبي، أما اجتهادكم في الخدمة فهو الذي يحفظ دوام توهجه. ليس لأجل أنفسكم وحدكم، بل أيضًا من أجل أولئك الذين يمكنهم أن ينتفعوا بهذا الضوء الذي به يهتدون إلى الحق. لأن الوشايات لا يمكن أبدًا أن تحجب بهاء ضيائكم، إن كنتم تحيون حياة الاستقامة. فأنتم الملتزمون أن تهْدوا العالم أجمع إلى معرفة الحق. أظهروا إذًا للعالم حياة جديرة بنعمته، حتى إذا ما كُرز بها في العالم أجمع يرافقكم هذا النور نفسه على الدوام.

شهادة المقاومين لهم

يضع الرب بعد ذلك أمامهم نوعًا آخر من الربح، فبجانب خلاص البشر الجدير بأن يجعلهم يسعون بكل ما في عزيمتهم وجهدهم، هكذا يقول لهم، فليس فقط تُقوِّمون شأن العالم إذ ما عشتم بالاستقامة، بل أيضًا ستهيئون الفرصة لأن يتمجد الله بكم. أما إن فعلتم العكس تكونون سببًا في هلاك البشر، وبسببكم يُجدَّف على اسم الله.

ورُبَّ سائلٍ: كيف يمكن أن يتمجد الله بنا حتى لو تقاول الناس علينا شرًا؟ ليس كل الناس بل حتى الذين يفعلون ذلك بدافع الحسد فإنهم في قرارة أنفسهم سيعجبون بكم ويمتدحونكم.

ماذا إذن؟ هل يأمرنا الرب بالتفاخر والمجد الباطل؟ حاشا! فهو لم يقل: "اجتهدوا أن تروا أعمالكم الصالحة" ولم يقل: "أظهروها لهم"، لكنه قال: "ليضئ نوركم"، أي لتنْمُ فضيلتكم وتتوهج نارها، وينتشر نورها الفائق الوصف. لأنه عندما تتسامى الفضيلة لا يمكن أن تظل مخفية حتى ولو حاول الخصم أن يحجب نورها آلاف المرات. هكذا قدموا للناس حياة بلا لوم ولا عيب، فلا يجد العدو فيها فرصة ليقول عليكم كلامًا شريرًا بعد. حينذاك حتى إن وجد آلاف من المتكلمين بالسوء، فلن يستطيع إنسان أن يلقي عليكم أي ظل، ولن يقدر أن يحجب نوركم.

حسنًا قال: "نوركم"، فلا شيء يرفع من شأن الإنسان مثل الفضيلة حتى ولو تحايل الفرد على إخفائها. وكأن صاحبها مدَّثر بالشمس، وهكذا فإنه يلمع بنور أكثر بهاءً منها، فيسطع نوره على كل الأرض بل ويرتقي إلى عنان السماء نفسها.

هكذا كان يكثر من تعزيته لهم، وكأنه يقول: مهما كان التشهير يؤلمكم، فإن لديكم آخرين كثيرين يمجدون الله بسببكم وفي كلا الأمرين تكون مجازاتكم عظيمة. من جهة، لأن الله تمجد بكم، ومن جهة أخرى لأن الناس افتروا عليكم لأجل الله.

ولئلا نتعمد أن يوبخنا الآخرون عندما نسمع أن لنا بسبب ذلك مكافأة، فإنه في بادئ الأمر، لم يعبر عن هذا الرأي هكذا ببساطة، بل جعل له شرطين: أعني، حين يكون ما يُقال غير صحيح، وأن يكون لأجل الله. ثم يقرر بعد ذلك أن هذا الأمر ليس بالأمر الوحيد، بل إن هذا الكلام الطيب له ربحه العظيم، حين يعطي الإنسان المجد لله. ويُظهر الرب لهم هذه الأماني المباركة إذ يقول: "الدخول في الباب الضيق يجلب تشويهًا لسمعتكم، لكنه لا ينتشر بهذا القدر فيضع آخرين في الظلمة ولا يرون نوركم، لأنه حين يفسد ملحكم أي تفقدون مذاقكم يدوسونكم تحت الأرجل، لكن ليس حين يتهمونكم باطلاً، يفعلون حسنًا، بل بالحري يلتف حولكم كثيرون معجبون بكم، لا لأجلكم أنتم فقط، بل لأجل أبيكم الذي في السماوات. لم يقل الرب: "الله" بل "يمجدون أباكم" مُظهرًا أصل هذا الميلاد الشريف مسبقًا، والذي كان عتيدًا أن يجلبه لهم. وحتى يشير أيضًا إلى مساواته في كرامة الآب مثلما قال قبلاً "لا تحزنوا إذا ما قال عليكم الناس كلامًا شريرًا لأنه يكفيكم أنهم تكلموا عليكم بسببي" لهذا يذكر هنا الآب موضحًا مساواته له كما يفعل في كل موضع آخر.

12. وإذ نعلم مدى المنفعة التي نجنيها بسبب جديتنا هذه، وخطر تراخينا (لأنه لو كان الناس يجدفون على الرب بسببنا لصار حالنا أسوأ بكثير من هلاكنا).

علينا ألا "نكون عثرة لليهود وللأمم ولكنيسة الله" (1 كو 10: 32). وبينما تكون حياتنا التي يراها الناس أكثر إشراقًا من الشمس، فحتى إن تقوَّل الناس علينا بشرٍ لا نحزن لأنهم يشهدون بسمعتنا، فقط نحزن لأنهم شهروا بنا عن حق، لأنه من جهة إن كنا نحيا حياة الشر، ولم يتحدث علينا أحد بسوء لصرنا أشقى جميع الناس، ومن جهة أخرى إن كنا نسلك حسب الفضيلة حتى وإن تقوَّل العالم كله بشر، نصير في الوقت عينه محل حسد الناس أكثر من الآخرين، فنجذب إلينا الذين اختاروا أن يخلصوا، لأن حياتنا الصالحة هي التي تسترعى انتباههم وليس تشهير الأشرار بنا. لأنه ما من بوق يشهد على استقامتنا أكثر من أعمالنا التي نمارسها، فإن الحياة النقية أكثر شفافية من النور نفسه، حتى وإن فاق الذين يشهِرون بنا كل حد.

وأقول إن كانت كل الخصال السابق ذكرها هي من نصيبنا، وإن كنا ودعاء ومتواضعين ورحماء وأنقياء القلب وصانعي سلام، إن كنا نسمع التوبيخ ولا نخاصم أحدًا، بل بالحري نفرح ونسرّ، فإننا نجذب جميع الذين يلاحظون سيرتنا مثلما تجتذبهم المعجزات ويتعاطف الكل معنا حتى ولو كان وحشًا كاسرًا أو شيطانًا أو أي شيءٍ آخر. فإن كان البعض يتكلمون عليكم بالشر، فلا تنزعجوا آنذاك0 حتى إن هم وبخوكم علانية، فاهتموا أن تفتشوا في ضمائرهم، ستجدونهم يهتفون لكم، ويعجبون بكم، ويمدحونكم مديحًا لا حدود له.

تأملوا مثلاً، كيف يمتدح نبوخذنصر الفتية في أتون النار رغم عدواته وخصوماته معهم، لكنه حين رآهم واقفين في شموخ أعلن عن انتصارهم وكللهم بالتيجان، لا لشيء، إلا لأنهم لم يطيعوه وأطاعوا ناموس الله. لأن الشيطان حين لا يحقق شيئًا، يهرب خشية أن يكون سببًا في حصولنا على مزيد من الأكاليل. وبرحيله، فإن الذي كان الجميع يكرهونه وكان يحيا في عزلة بينهم نراه يسلك طريق الفضيلة، إذ انقشع الضباب من أمامه. فإن كان الناس لا يزالون يتجادلون ضدكم، ستنالون من الله أعظم مديحٍ وإعجابٍ. فلا تحزنوا بعد، أرجوكم لا تيأسوا، لأن الرسل أنفسهم كانوا بالنسبة للبعض "رائحة موت" (1 كو 2: 16)، ولآخرين "رائحة حياة" وإن لم يكن في نفوسكم شيء تتمسكون به، فيكفي أنكم تخلصتم من كل اتهاماتهم لكم، أو بالحري قد صرتم مطوَّبين بالأكثر. فليضيء نوركم إذن في حياتكم ولا تهتموا بالذي يقولون عنكم شرًا. لأنه من المستحيل، أقول من المستحيل أن من يمارس الفضيلة تخلو حياته من الأعداء مع ذلك فإن الرجل الصالح لا يهتم بهذه الأمور لأنه يزداد بها بريقًا ويفيض إشراقه بالأكثر.

 

السمو بالانشغال بالحياة السماوية

 فإن كنا نشغل بالنا بهذه الأمور، فلنضع نصب أعيننا كيف نضبط حياتنا بالرصانة والجدية. لأننا بهذا نحيا الحياة السماوية ونقود معنا الجالسين في الظلمة، فهذه هي خاصية النور: أن ينير هنا وأن يقود تابعيه إليه. لأن الناس حين يروننا نزدري بكل شيء في هذا الزمان الحاضر. ونعد أنفسنا للدهر الآتي، تحثهم أعمالنا أسرع من أية عظة، لأن الإنسان حتى بعد انعدام أساسه، حين يرى من كان يعيش في بذخٍ يومًا ما، يتجرد الآن من كل الترف، ويتشح بأجنحته ويستعد لقبول الفقر والجوع والصعاب والأخطار والذم والذبح وكل شيء رهيب، يستطيع إذا عاين كل هذا أن يكتشف أمور الزمان العتيد، المستقبل الأبدي، لكن إن كنا ننغمس في أمور الزمان الحاضر، وننزلق فيها أكثر فأكثر لا يقتنع الآخرون بأننا مرتحلون في عجالة إلى وطن آخر.

فما هو عذرنا بعد إن لم نعش في مخافة الرب كما يليق، مثلما ساد مجد البشر بين فلاسفة الأمم. إذ تخلى بعضهم عن ثروتهم، واحتقروا الموت، ولكن كان غرضهم التباهي أمام الناس، لهذا كان رجاؤهم باطلاً.

فما العذر الذي ينجينا إذن، رغم عِظَم الأمور الموضوعة أمامنا، ورغم المبدأ السامي لإنكار الذات المتاح لنا نجد أنفسنا عاجزين حتى عن إتيان ما أتوه هم من أعمال، بل ونُهلك أنفسنا والذين معنا؟

 

خطأ المسيحي أخطر من خطأ الأممي

 لأن الأممي (الوثني) إذا ارتكب خطية لا يقع عليه ضرر كبير، مثلما يخطئ المسيحي بنفس الخطية. فالأمم أصلاً قد فقدوا أخلاقياتهم، لكننا وبنعمة الله مكرَّمون ومطوَّبون بين الأشرار. لهذا إذا تقولوا علينا شرًا، وزاد كلامهم الشرير علينا إلى حد كبير، ونادوا علينا في تهكم مرير ساخرين: "يا مسيحي"، فإنهم ما كانوا يستعملون هذا النداء التهكمي لو توفرت لديهم سرًا فكرة سديدة عن عقيدتنا.

ألم تسمعوا كيف أن السيد المسيح قد أوصى وصايا عظيمة وكثيرة؟ فمتى تقدرون أن تنفذوا إحدى هذه الوصايا، هل وأنتم عازفون عنها كلها، منصرفون إلى اللهث وراء اللذة، متكالبون على جمع أموال الربا الفاحش، جالسون عند عتبات الصفقات التجارية متاجرون في قطعان العبيد، جامحون في دأب للتحف الفضية، مبتاعون بيوتًا وحقولاً وبضائع لا نهاية لها؟

وكنت أتمنى أن يكون هذا كل شيء، ولكنكم حين تضيفون إلى هذه المساعي التي لا لزوم لها، ظلمًا ونهبًا بإزالة علامات الأراضي واغتصاب بيوت الناس بالعنف، تعملون على تفاقم الفقر وازدياد حالات الجوع. فمتى تقدرون أن تثبِّتوا أقدامكم على هذه الأعتاب؟

 

لا تنتظروا المكافأة مني!

 13. لكنكم ترحمون المساكين أحيانًا: أعرف ذلك مثلما تعرفون أنتم - لكن حتى هذا المسلك سيئ أيضًا لأنكم تفعلون ذلك إما من باب الكبرياء أو المجد الباطل، فلا تنتفعون حتى بأعمالكم الصالحة، فأي حال أتعس من حالكم هذا، إنكم تحطمون سفنكم وأنتم في مرفأ الأمان. فإن فعلتم صلاحًا وأردتم منع ذلك، لا تنتظروا مني شكرًا لأن الله هو المدين لكم. إذ يقول: "اقرضوا الذين لا ترجون أن تستردوا منهم" (قابل لوقا 6: 34).

 فإن كان الله هو المدين لكم، فلماذا تتركونه وتطالبونني أنا المسكين المائت بهذا الدين؟

ماذا؟ إن الله يُسرّ أن تأخذ الدين منه فهو ليس بالفقير، ولا الرافض أن يفي بالديون. ألا ترون عظم كنوزه الفائقة الوصف؟

ألا تنظروا سخاءه الذي لا يُنطق به؟

تمسكوا إذن بطلب الدين منه، فإنه من غير اللائق أن نتركه ونطلب سداد الدين من آخر سواه، فإنه يرى فيما تفعلونه خطأ، وكأنه يقول لكم: لماذا تفعلون هذا وبأي جحود تتهمونني، هل تزعمون أنني فقير؟ حتى إنكم تعتزمون أخذ الدين من آخرين؟ فهل تقرضون (الله الواحد) ثم تطلبون من آخر أن يسدد هذا القرض؟ لأنه رغم أن الإنسان هو الذي أخذ القرض، فإن الله هو الذي أوصاكم أن تعطوه، ومشيئته أن يكون هو المدين بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وفي الحقيقة، إن الرب يعطيكم أضعاف أضعاف الفرص لاسترداد الدين منه في كل حين وفي كل مكان. فلا تدعوا هذه الفرصة السانحة تضيع منكم هكذا بسهولة، ولا تبددوا هذا السخاء الوفير طالبين الدين ممن لا يملكون شيئًا. فلأي غرض تظهرون رحمتكم بالمساكين؟ ماذا؟ ألم أكن أنا الذي قلت لكم أعطوا، ألم تسمعوا ذلك مني، أن تستردوا عطاياكم مني أنا، ألم أقل "من يرحم الفقير، يقرض الرب" (أم 19: 17) وأنتم قد أقرضتم الله، فضعوا هذا الدين على حسابه، حتى لو لم يسدد لكم الدين كله الآن، حسنًا، إنه إنما يفعل ذلك لخيركم أيضًا. فيا له من مدينٍ، ليس ككثيرين يرغبون هكذا ببساطة أن يردوا ما اقترضوه من دين، بينما الرب يدبر كل شيء، لاستثماره في أمانٍ لأنه قرض مُعطى للرب. لهذا كما ترون يسدد بعضه هنا ويؤجل الدين للبعض الآخر.

 

لا تجبن عن أن تنقذ إنسانًا الظالم والمظلوم

 14. وإذ نعلم هذه الأمور، فلنرحم بسخاء ووفرة، ولنقدم دليلاً على محبتنا الكثيرة للإنسان باستخدام أموالنا تارة، وأفعالنا تارة أخرى، فإن رأينا إنسانًا تُساء معاملته ويتلقى الضرب في ساحة السوق، فإن كنا نقدر على سداد الدين عنه فلنفعل. وإن كنا نقدر بالكلمات وباللسان أن نفض المشاجرة، فلا نجبن. فحتى الكلمة لها مكافأة، وما أكثر الكلمات التي ترفع التنهدات، حسبما يقول المطوَّب أيوب: "ألم أبكِ لكل متعثر، ألم أتنهد حين رأيت إنسانًا في ضيقة" (أي 30: 25).

 لكن إن كانت هناك مجازاة للدموع والتنهدات، وللكلمات أيضًا، والاجتهاد الدؤوب وأعمال أخرى نضيفها، تكون المكافأة عظيمة جدًا. أجل، إذ كنا نحن أيضًا أعداءً لله، فصالحنا الابن الوحيد، طارحًا نفسه في الوسط متلقيًا عنا الجلدات والضربات ومحتملاً الموت لأجلنا.

فلنفعل نحن مثله، فنجتهد أن نخلصهم من شرور أصابتهم بغير حصر، وليس كما نفعل الآن، حين نرى البعض يمزقون ويضربون بعضهم أعمال، فنقف مكتوفي الأيدي. نتلذذ باحتقار الآخرين، صانعين حلقة "فرجة" شيطانية حولهم. إنه مشهد في منتهى القسوة حين ترون أشخاصًا يتخاصمون ويتنازعون، ويمزقون بعضهم بعضًا ويقطعون ملابسهم، ويلكمون وجوه بعضهم بعضًا، ورغم ذلك تحتملون مشاهدة هذا الشجار في هدوء؟ ما هذا؟ هل الذي يتصارع أمامكم دب؟ حيوان مفترس؟ حيَّة؟ إنه إنسان، شريك لكم في كل شيء، أخوكم في عضويته معكم (قابل أف 4: 25). فلا تقفوا متفرجين، بل فضوا المشاجرة، لا تتلذذوا بها، بل بالحري فرقوا المتجمهرين.

إن المتلذذين بهذه الفرجة هم من السادة والعبيد، يرفضون شركة المصالحة لأسباب واهية، أقول لكم هل إذا رأيتم إنسانًا يسلك بعدم لياقة، لا يعنيكم سلوكه وكأن الأمر لا يعنيكم - ألا تتدخلون وتمزقون قوات الشيطان وتضعون حدًا لمشقات مثل هذا الإنسان؟

ورُبَّ سائلٍ: "ربما تلقيت أنا نفسي بعض اللكمات"، هل هذا هو تبريرك لعدم مشاركتك؟ ألا تقبل هذه المعاناة أيضًا. ألا تعلم أنك إذا احتملت آلام الآخرين، حُسب احتمالك هذا نوعًا من الاستشهاد. لأنك تتألم لأجل الله. فإن كنت متباطئًا في تلقي الضربات تذكر أن ربك لم يبطئ في تحمل آلام الصليب لأجلك. فالمتنازعون سكارى يسيرون في ظلمة، قد أعمى الغضب مشاعرهم، فسادَ عليهم وطغى، يحتاجون إلى سليم العقل ليساعدهم. ففاعل الشر والواقع عليه الأذى، كلاهما في حاجة إلى عون وتقويم: الأول حتى يكف عن شره والثاني حتى نخلصه من آلامه ومعاناته.

اقتربوا إذن، مدوا أيديكم أيها المنتبهون لنفوسكم لمساعدة ذلك الغافل كالسكير لأنه تحت سيطرة غضب أخطر من سكر الخمر. ألا ترون البحارة حين يواجهون حادثة تحطم سفينتهم، يفردون قلاعهم ويستعدون بأقصى سرعة لإنقاذ زملائهم من نفس المهنة من خطر الأمواج العاتية، فإن كان أبناء المهنة الواحدة هكذا يهتم بعضهم ببعض، فكم بالأكثر يكون واجب المشتركين في نفس الطبيعة أن يفعلوا كل هذه الأمور، لأننا هنا أمام سفينة محطمة فعلاً، تتعرض لخطر أكبر من ذاك، أمام إنسان تحت ثورة الغضب والاستفزاز يجدف ويلعن، ويطرح كل شيءٍ ويلقيه أرضًا، أو تحت ثورة الغضب يحلف كذبًا، وهو طريق يقود إلى جهنم. أو أن يضرب ضربته ويقترف جريمة القتل، فنراه كالذي يعاني من حطام سفينته.

انطلقوا إذن وضعوا حدًا للشر، أنقذوا الغرقى. حتى إذا نزلتم إلى أعماق الأمواج الهائجة تحطمون مسرح الشيطان، وتعزلون كل واحدٍ بمفرده، وتنصحونه أن يخمد نيران الغضب وأن يهدئ من ثورة أمواجه.

وحتى إن بَدت كومة النار مشتعلة بنار شديدة، وبدأ الأتون مشتعلة بضراوة، لا تخافوا ولا تفزعوا! لأن معكم كثيرين يهرعون لمساعدتكم. فابسطوا أيديكم وأنتم في بداية النزاع، وإله السلام يكون معكم قبل كل شيء. فإن بدأتم في إخماد النيران أولاً، فإن كثيرين آخرين أيضًا سيحذون حذوكم وتنالون أنتم مكافأة أعمالهم الحسنة. اسمعوا السيد المسيح وهو يوصي اليهود والذين كانوا يزحفون علي الأرض لنجدة حمار: "إذا رأيت حمار عدوك واقعًا تحت حمله لا تعدل عنه، بل ارفعه" (خر 23: 5).

وعليكم أن تدركوا أن الفصل بين شخصين متنازعين ومصالحتهما، لهو أهون كثيرًا من حمل حمار ساقط. فإن كان لزامًا علينا المساعدة علي رفع حمار عدوّنا، فكم بالأحرى نفوس أصدقائنا، وكم بالأحرى يكون سقوط المتخاصمين عظيمًا لأن أولئك لا يسقطون في الأوحال - بل في نيران الجحيم - غير حاملين أثقال غضبهم، فأنتم حين ترون أخاكم ساقطًا تحت الثقل والشيطان واقف بجواره يزكي نيران الكوة، فإنكم تجرون هاربين، في قسوة وبلا رحمة.

وهو تصرف ليس من الأمان فعله، حتى إن اختص الأمر بضرر واقع علي حيوانات ضارية، فالسامري الصالح حين رأى إنسانًا جريحًا لا يعرفه ولا يمت له بصلة قرابة لا من بعيد ولا من قريب، وقف وحمله علي حمارٍ، وأتى به إلي بيتٍ، إلى حانةٍ، واستأجر طبيبًا، وأعطاه بعض النقود ووعده بالمزيد، أما أنتم فترون إنسانًا لا يسقط بين لصوص، بل بين براثن عصابة من الشياطين قد استشاطوا غضبًا، وليسوا في برية، بل في وسط ساحة ولستم مضطرين إلى دفع نقود لفض النزاع، ولا إلى استئجار حمار، ولا أن تأتوا به عبر طريق طويل، بل أن تقولوا فقط بضعة كلمات: فهل تحجمون عن فعل ذلك؟ هل تمتنعون وتفزعون في قسوة وبلا رحمة؟ هل تظنون أن الله ليس هو صانع الخيرات؟

كيف انقلبتم إلى حيوان مفترس؟

15. لكن دعوني أخاطبكم فإنكم تجلبون علي أنفسكم الخزي هكذا علنًا، وأن أخاطب كل من يسلك سلوكًا مزريًا تشوبه الأخطاء. هل توجهون اللكمات؟ اخبروني، وهل تركلون بالأرجل وتعضون غيركم؟ هل أصبحتم خنزيرًا بريًا متوحشًا أو حمارًا بريًا؟ ألا تخجلون من أنكم انقلبتم إلى حيوان مفترس، وأنكم تخونون شرفكم الخاص؟ فبالرغم من أنكم فقراء، فأنتم أحرار. وبالرغم من أنكم أُجراء فأنتم مسيحيون.

كلا! بل لأنكم فقراء وجب عليكم أن تكونوا مسالمين، لأن التقاتل من طبع الأغنياء لا الفقراء. فإن الأغنياء أكثر من سبب يدفعهم إلى الصراع، أما أنتم فلا تعانون من ملذات الغنى، ولكنكم تنشغلون بجمع شرور الثروة والعداوة والمنازعات فتخنقون أخاكم من حلقه، وتحاولون شنقه، وتطرحونه أرضًا هكذا علنًا أمام الناس جميعًا، أفلا تظنوا أنكم بهذا تجلبون الخزي علي أنفسكم حينما تقلدون نزعة العنف عند البهائم، بل هذا أسوأ إذ تشتركون معًا في صفات وسلوكيات القطيع من فوضى ومشاجرات وصراعات ومنافسات وعداوة وإهانات، فلا نوقر السماء التي تتجه إليها دعوتنا جميعًا، ولا الأرض التي وهبها الرب لنا كلنا مجانًا بلا ثمن، ولا نُكرم طبيعتنا كبشرٍ، بل نغضب حين يكتسح حب المال كل ما نملك.

ألم تروا الذي ملك المواهب بغير حصر ولكنه مدين، وحينما سومح عن ذلك الدين خنق الخادم زميله بسبب مبلغ زهيد (مائة وزنة)، وكان شره عظيمًا فعوقب عقابًا أبديًا. ألا ترتعدون من هذا المثل، ألا ينتابكم خوف خشية أن يقع عليكم نفس الأمر، لأننا نحن أيضًا مدينون لربنا بديون هذا عددها، ومع ذلك فإنه يسامحنا ويتأنى طويلاً ولا يضايقنا، مثلما نفعل مع أتباعنا ورفقائنا، فلا يخنقنا ولا يمسك برقابنا، بل يسعى ليصلح فينا ولو أصغر عضوٍ أفسدناه.

 

اعفوا عن المدينين!

 

16. هيا أيها الأحباء - ونحن مفتكرون في هذه الأمور - أن نتواضع وأن نكون شاكرين للمدينين إلينا. لأننا إن عاملناهم برفق، تصير لنا فرصة اغتنام صفح وخير. وإذ نعطي قليلاً، نأخذ كثيرًا.

فلماذا نلجأ إلي العنف؟ رغم أن الآخرين مستعدون للسداد، بينما في استطاعتكم مسامحتهم لنوال كل الدين من الله. لكنكم تلجأون الآن إلى العنف والمخاصمات الكثيرة، فلا تسامحون فيما لكم من ديون. وتفتكرون في احتقار جيرانكم فيقع السيف علي رقابكم أنتم، وتزداد عقوبتكم في الجحيم، بينما لو أظهرتم جميعًا قليلاً من ضبط النفس هنا لجعلتم حسابكم يسيرًا. لأن الله يريدنا حقًا أن نكون أُمناء في هذا النوع من الخير، ليكافئنا بزيادة في حينه.

 فإن كان لكم كثيرون مدينين بمالٍ أو بتعديات، أسقطوها كلها، واطلبوا من الله أن يعوضكم عن شهامة أعمالكم، لأنهم إن ظلوا مدينين لكم طويلاً، يكون الله أيضًا مدينًا لكم، لكن إن أطلقتموهم تحتجزون الله لديكم، وتطلبون منه التعويض العظيم المقدار عن ضبط النفس.

لأنه إن افترضا أن إنسانًا جاء وراءكم وأنتم تلقون القبض علي أحد المدينين لكم، وطلب منكم أن تعتقوا وتأخذوا الدين منه شخصيًا، مظهرًا أنه عادل يريد نقل حساب الدين عليه، فكيف لا يقدر الله أن يعوضنا مئة ضعف، بل أكثر من هذا بكثير لأجل وصيته، إن كان أحد مدينًا لنا ولم نشتكيه مهما كانت قيمة الدين كبيرة أو صغيرة، بل نعفيه من كل ما عليه من ديون؟

فلا تفكروا إذن في تلك الفترة الوقتية التي تنالونها حين تسوُّون ديونكم، بل بالحري، نفكر في فداحة الخسارة التي نتكبدها في الحياة الأخرى، فنؤذي نفوسنا بشدة فيما يخص الأمور الأبدية. ولكن إن ارتفعنا فوق الجميع، فلنسامح الذين يجب عليهم سداد الديون لنا، من أموال أو إساءات حتى نجعل من حسابنا حساب صفح وتسامح.

وما لا نقوى على فعله بالفضيلة، نناله إذا كنا لا نحمل أية ضغينة ضد أحد جيراننا، فننعم بالبركات الأبدية، بنعمة ومحبة ربنا يسوع المسيح للإنسان، الذي له المجد والقوة الآن وكل أوان وإلى دهر الداهرين آمين

 

العظة السادسة عشرة

 

3. الناموس القديم وناموس ربنا يسوع المسيح

 

"لا تظنوا إني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء" [ع17]

لماذا يقول ذلك؟ هل ارتاب أحد في الرب؟! أو من اتهمه حتى يدفع عنه هذا الاتهام؟ وهل ساور الناس الشك بسبب ما قيل قبلاً. كيف هذا؟ وهو يوصي الناس بالوداعة والتواضع والرحمة ونقاوة القلب والجوع والعطش لأجل البرّ. فهل يدل ذلك على مثل هذا الشك، أم أن العكس هو الصحيح، ولأي سبب يا ترى يقول ذلك؟ هناك سبب جدٍ معقول:

فهو مزمع أن يشرِّع لوصايا أعظم من وصايا العهد القديم قائلاً: "قيل للقدماء لا تقتل، أما أنا فأقول لكم لا تغضبوا"، وحتى يمهد لهم الطريق إلى حديث إلهي سماوي، وحتى لا تضطرب نفوس السامعين لغرابة ما يسمعونه ولئلا يتمردوا ضد ما يقوله، اتبعَ هذه الوسيلة ليعدهم إعدادًا جيدًا سلفًا.

 فعلى الرغم من أنهم لم يكملوا الناموس فإن وعيهم مسودٌ من الناموس تمامًا. وبينما يقاومون الناموس كل يوم، كانوا يتمسكون بحرفيته، ولا يبدلونه أبدًا. وحتى لا يضيف أحد إليه أي شيء جديد، فإنهم ربما كانوا يدفعون رؤساءهم أن يضيفوا المزيد لا للأفضل بل للأسوأ. لأنهم هكذا اعتادوا أن يتخلوا عن الكرامة اللائقة بآبائنا بإضافاتٍ من عندهم، بل كانوا يتحررون من كثير من الأمور الموصى بها (مر 7: 1113)، بإضافات في غير محلها. ولأن المسيح في المقام الأول لم يكن من السبط الكهنوتي، ولأن الأمور التي كان مزمعًا أن يقدمها كانت بمثابة إضافات، لا تقلل بل تزيد من الفضيلة، وإذ كان يعلم بسابق علمه أن تلك الأمور ستزعجهم، وقبل أن يدوِّن في أذهانهم هذه القوانين العجيبة، طرح أولاً ما تراكم عندهم من أمور ماضية، فما هو ذلك الشيء الراكد الذي كان يشكل عقبة؟

 

 2. لقد ظنوا أنه يتكلم هكذا بغرض إلغاء أو نقض القوانين القديمة، لهذا راح يعالج شكهم هذا في كل مناسبة. فحين حسبوه مقاومًا لله، إذ بحسب ظنهم لم يحفظ السبت، وحتى يعالج ارتيابهم فيه كان يعلل ما يقول بأسباب تليق بشخصه وطبيعته مثلما يقول: "أبي يعمل... وأنا أعمل" (يو 5: 17)، وبعض أعماله تلك كانت أعمال تنازل وعطف، مثلما كان يأتي بالخروف الضال في يوم سبت (مت 12: 11) مشيرًا إلى أن عمله هذا لا يؤثر في حفظ السبت، فذكر لهم الختان كأمر له نفس التأثير (يو 7: 23).

حرصه أن يزيل كل لَبس لديهم أنه مقاوِم لله

لذلك نجده في أحوال كثيرة ينطق بكلمات أدنى من مرتبته، ليزيل كل لَبس لديهم أنه مقاوِم لله. ولهذا السبب فإن الذي أقام آلاف الموتى بكلمة واحدة منه، وحتى قبل أن ينادي على لعازر من القبر، صلى، ولئلا يظهر لهم وكأنه أدنى من الآب، وحتى يصحح هذا الشكل أضاف "قلت ذلك... لأجل هذا الجمع الواقف ليؤمنوا أنك أرسلتني" (يو 42: 11)، ولم يكن يعمل كل الأعمال كواحدٍ يعملها بقدرته الذاتية، حتى يقوِّم ضعفهم بشكل صحيح، ولا كان يفعل كل شيء بالصلاة، لئلا يترك في قلوبهم ارتيابًا شديدًا من جهته، وكأنه مجرد من القوة والسلطان، وكان يمزج هذا بذاك. بحكمة لائقة بشخصه، لأنه وهو يصنع الأعمال العظيمة بسلطانه كان يرفع عينيه نحو السماء.

هكذا حين كان يغفر الخطايا، ويعلن عن أسراره، ويفتح الفردوس ويطرد الشياطين، ويطهر الأبرص ويقيد الموت، ويقيم الموتى بالآلاف. كان يفعل كل ذلك بسلطانه وأمره، لكنه في أمور أقل من هذه بكثير حين كان يبارك الخبزات القليلة لتصبح كثيرة بوفرة، كان يرفع عينيه إلى السماء مشيرًا إلى أنه لم يكن يفعل ذلك عن ضعف، لأن الذي يقدر أن يحقق عظائم الأمور بسلطانه، كيف يصلي في الأمور الأقل؟ ومثلما كنت أقول لكم أنه يفعل ذلك ليخرس خزيهم، وأنا أطلب منكم نفس الشيء حيال كلماته عن الأمور الصغيرة. ومن حيث كلامه أو أعماله فإن هناك أسبابًا كثيرة نُعللها.

فمثلاً لا يليق بنا أن نعتبره غريبًا عن الله من حيث تعليمه وانتظاره للناس كلهم، ومن حيث تعليمه التواضع. ومن حيث أخذه جسدًا، وعدم قدرة اليهود سماع كل ذلك في الحال، وتعليمه لنا ألا نتحدث عن أنفسنا بكبرياء، ولهذا السبب عينه كان في كل الأوقات يتكلم بتواضع عن نفسه، أما عظائم الأمور فكان يترك للآخرين مهمة الحديث عنها. و في حديثه إلى اليهود والرد علي مجادلاتهم كان يقول: "قبل إبراهيم أنا كائن" (يو 8: 58).

أما تلميذه فكتب يقول: "في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله" (يو 1:1). وأيضًا هو نفسه الذي خلق السماوات والأرض والبحر، وما يُرى وما لا يُرى، فإنه لم يكن يعبر شخصيًا أو بذاته عن ذلك في أي موضع، لكن تلميذه كان يقولها بصراحة، ولم يخفِ شيئًا، وكان يؤكد ذلك المرة تلو المرة أن: "به كان كل شيءٍ، وبغيره لم يكن شيء مما كان، وأنه كان في العالم وكُوِّن العالم به" (يو 3: 1-10).

ولا نتعجب أن كثيرين آخرين قالوا عنه أمورًا أعظم من التي ذكرها هو عن نفسه في كل الأحوال. فما أظهره بأعماله وكلامه لم يجاهر به علانية. فالذي خلق كل البشر أظهر ذلك بكل وضوح مع المولود أعمي، لكن في حديثه عن خلقتنا في البدء لم يقل أنا صنعت بل قال: "الذي خلق من البدء، خلقهما ذكرًا وأنثى" (مت 19: 4). والذي خلق العالم كله بكل ما فيه من موجودات، أظهر ذلك باستخدامه الأسماك والخمر. والأرغفة (أرغفة القمح) وإسكات البحر وشعاع الشمس الذي سلطه علي عود الصليب، وأمور أخرى كثيرة لكنه لم يقل ذلك صراحة في أي موضوع تكلم فيه. مع أن تلاميذه ظلوا يعلنون ذلك باستمرار. هكذا فعل يوحنا وبولس وبطرس. وهم الذين كانوا يسمعون عظاته ليل نهار. ويرونه وهو يصنع المعجزات، وهم الذين شرح لهم الرب كل شيء علي انفراد ووهبهم قوة عظيمة لإقامة الموتى، وجعلهم كاملين، حتى تركوا كل شيء لأجله وتبعوه. فإن هؤلاء وحتى بعد أن مارسوا أعظم الفضائل في إنكار ذات، ولم تكن لديهم القدرة علي الشهادة بذلك، قبل حلول الروح القدس عليهم، فكيف يمكن لليهود العديمي الفهم البعيدين كل البعد عن هذا السمو، أن يقتنعوا بكلامه، ولا يزعمون أنه غريب عن الله، وهم كانوا حضورًا بلا ترتيب وعن غير قصد حين كان يقول أو يفعل شيئًا. إن لم يكن قد قصد هو عمليًا أن يمارس التواضع في كل حين، وكان تواضعه عظيمًا.

وعلى هذا الأساس نرى حتى وهو يبدو لهم أنه يكسر السبت، لم يأتِ بمثل هذا التشريع وكأنه عن عمدٍ مقصودٍ، بل يضع معه العديد من الأسانيد للدفاع عن الحق، فحين كان يوشك أن يلغي وصية ما، كان يتحفظ كثيرًا في كلامه حتى لا يربك السامعين. بل أكثر من ذلك أنه حين كان يضيف إلى الناموس السابق، تشريعًا أو قانونًا آخر كان يريد أن يظهر منتهى الانضباط، والانتباه، وليس فقط بغرض إنذار سامعيه، ولهذا السبب عينه، لا نراه يعلِّمُ في أي مكان بوضوح حول لاهوته، لأنه إن كانت إضافته للناموس تحيرهم كثيرًا - وهذا مؤكد فكم بالحري إعلانه عن نفسه أنه هو الله.

 

3. لهذا السبب، نطق المسيح بأمور كثيرة، أدنى بكثير من الكرامة التي تليق به. وهنا وإذ يوشك أن يضيف إلى الناموس، أدخل عددًا وفيرًا من التصحيحات مسبقًا، فهو لم يقل إنه "لا يريد أن ينقض الناموس" مرة واحدة وكفى، بل كان يكرر هذا القول مرات عديدة، بل وأضاف شيئًا آخر أعظم، فعند قوله: "لا تظنوا إني جئت لأنقض"، أردف قائلاً: "ما جئتُ لأنقض بل لأكمل"، وهكذا أوقف عناد اليهود وسد أفواه الهراطقة الذين يقولون إن العهد القديم هو من الشيطان. لأنه إن كان المسيح قد جاء ليحطم طغيان إبليس، فكيف يبيد القديم، بل أن يكمِّله. لأنه لم يقل فقط: "أنا لا أنقضه" وكان يكفيهم هذا القول، بل يقول "بل لأكمل" وهي كلمات إنسان لا يناقض نفسه بل بالحري لديه كل الثقة فيما يقول. ورب سائلٍ: وكيف لا ينقضه؟ وما البرهان على أن الرب قد أكمل بالأحرى كلاً من الناموس والأنبياء!

 

قد أكمل الرب الأنبياء بقدر ما أكمل من أعمال أيدت كل ما قيل عنه "بالأنبياء"، حيث اعتاد الإنجيلي أن يقول في كل ما يجرى بواسطة الرب، "لكي يتم ما قيل بالأنبياء" وذلك حين وُلدِ (مت 1: 22-23)، وحين ترنم الأطفال له الترنيمة العجيبة عندما امتطى ظهر الأتان (مت 21: 516). وفي مناسبات عديدة أكمل أمورًا سبق التنبؤ بها والتي لم تكن لتتحقق كلها لولا مجيئه في الجسد0

أما الناموس فقد أكمله بعده طرق: إنه لم يتعدَّ أية فريضة في الناموس، بل أكمل الناموس كله0

اسمعوا ما يقوله ليوحنا المعمدان "يليق بنا أن نكمل كل برّ" (مت 3: 15) ويقول لليهود أيضًا "من منكم يبكتني على خطية" ( يو 8: 46) ويقول لتلاميذه كذلك "رئيس هذا العالم يأتي وليس له فيِّ شيء" (يو 14: 30) وقال النبي عنه منذ القديم: "أنه لم يعمل خطية" (إش 53: 9). وهذا كله جانب واحد من جوانب إكماله للناموس.

أما الجانب الآخر فقد أتم الناموس فينا، وهذا هو العجيب في أنه ليس هو نفسه فقط الذي أكمله، بل منحنا هذا بالمثل. وهو ما يعلنه بولس الرسول قائلاً: "لأن غاية الناموس هي المسيح للبرّ لكل من يؤمن" (رو 10: 4)، وقال أيضًا: "دان الخطية في الجسد، لكي يتم حكم الناموس فينا، نحن السالكين ليس بحسب الجسد" (رو 3: 8-4)، ثم قال: "أنبطل الناموس بالأنبياء، حاشا، بل نثبت الناموس" (رو 3: 31) لأن الناموس كان يهدف إلى أن يتبرر الإنسان، ولما لم تكن له القدرة على ذلك، جاءنا الرب عن طريق الإيمان، فأسس ما أراده الناموس وما لم يستطعه الناموس حرفيًا، أتمه المسيح بالإيمان، وعلى هذا الأساس يقول: "لم آت لأنقض الناموس".

 

4. لكن إذا سأل إنسان بإمعان أكثر، فسنجد معنى آخر في سياق الأمر، خاص بقول المسيح: "ما جئت لأنقض بل لأكمل"، فما هو هذا المعنى وما هو مفهوم الناموس المستقبل الذي يوشك المسيح أن يسلمه لهم؟ لأن أقواله لم تكن نقضًا للسابق، بل امتدادًا له حتى الكمال، فمثلاً وصية "لا تقتل" لم ينقضها بقوله "لا تغضب" بل أكملها بالحري، إذ وضعها في صيغة أكثر أمنًا. وهكذا الحال بالنسبة للوصايا الأخرى.

هكذا ترون أنه كما سبق وطرح بذار التعليم دون ما شك، حتى إذا ما جاء الوقت الذي فيه يقارن بين الوصايا القديمة والجديدة ويتعرض للشبهة أنه وضعها متناقضة! فقد سبق فوضع النتيجة النهائية لصياغة الوصية القديمة بعد تكميلها بالجديدة، فقد نشر الرب قبلاً هذه التعاليم ٍبشكل سري مخفي: فمثلاً عندما قال: "طوبى للمساكين" كانت هي نفسها وإن كانت بصورة أخرى عندما طالبنا أن لا نغضب. و"طوبى لأنقياء القلب" تعادل "لا تنظر إلى امرأة وتشتهيها في قلبك"، ووصية النهي عن "كنز كنوزنا في الأرض" تتطابق مع "طوبى للرحماء". فالحزن وقبول الاضطهاد والطرد والتعيير تتفق كلها مع "الدخول من الباب الضيق"، و  "الجوع" و "العطش" من أجل البرّ هو نفس ما قاله الرب فيما بعد: "كل ما تريدون أن يفعل الناس بكم افعلوه أنتم أيضًا بهم" (مت 7: 12).

وعندما أعلن الرب "طوبى لصانعي السلام" كان يعني نفس الشيء عندما أوصى أن يترك المسيحي "قربانه على المذبح" ليتصالح مع أخيه الذي أحزنه، وأن "يتراضى مع الخصم".

وإذا كان في بداية عظته قد بدأ بوضع المكافأة لمن يعملون الصلاح، فكما قال في ذلك الموضع: "الودعاء يرثون الأرض" هكذا هنا يقول: "من قال لأخيه يا أحمق يكون مستوجب نار جهنم" وهناك قال: "أنقياء القلب يعاينون الله" وهنا يعتبر كل من نظر نظرة شهوانية بغير تعفف زانيًا بالفعل. وإذ قال هناك "إن صانعي السلام يدعون أبناء الله" فإنه يحذرنا هنا من خطر الوقوع في يدي الخصم لئلا يسلمنا إلى الحاكم.

 وهكذا أيضًا مثلما يبارك ويطوِّب الحزانى والمضطهدين، نراه في المرة التالية وهو يؤسس نفس التشريع، يهدد بالهلاك أولئك الذين لا يسلكون الطريق الضيق، بل يدخلون من الباب الواسع، حيث يلقون في النهاية حتفهم. وحين يقول: "لا تقدرون أن تخدموا الله والمال" يؤكد نفس المعنى السابق في قوله "طوبى للرحماء" و "طوبى للعطاش والجياع إلى البرّ".

وكما قلت، ولأن الرب مزمع أن يوضح تلك الأمور لهم أكثر، بل ولكي يضيف إليها المزيد؛ لأنه لم يعد يطلب من الإنسان أن يكون رحيمًا فحسب، بل طالبنا بالأكثر، أن نعطي ثيابنا، ولا يطلب أن يكون الإنسان وديعًا فحسب، بل أن نحول خدنا الآخر لمن لطمنا على خدنا الأول، لهذا يبدأ أولاً في إزالة أي تناقض ظاهري "لا تظنوا إني جئت لأنقض"، ثم يضيف: "ما جئت لأنقض بل لأكمل".

تكميل الناموس كله

"فإني الحق أقول لكم إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل" [ع18]. وكأنه يقول هكذا:

لا يمكن أن يبقى شيء ما من أمور الناموس متروكًا هكذا دون تكميل، بل لابد أن يتحقق ولو أدنى شيء فيه، وهو نفس الشيء الذي فاه به هو ذاته وأكمله بنفسه بمنتهى الدقة. وهو هنا يشير سرًا إلى زوال هيئة العالم كله، وتغييرها إلى الأكمل، وإنه لم يقل شيئًا بغير قصد ولغرضٍ سامٍ يقدم على تشريع عهد آخر جديد طالما أن نظام الخليقة كلها سوف يتغير، وهذا شيء لا يقارن بدعوة البشرية كلها إلى وطن آخر جديد تُمارس فيه حياة أكثر سموًا وكمالاً.

 

5. "فمن ينقض إحدى هذه الوصايا الصغرى، وعلّم الناس هكذا، يُدعى أصغر في ملكوت السماوات" [ع19]

وإذ يخلصهم من شرور الشك ويسد أفواه المعارضين، يستمر في تحذيراته الشديدة تدعيمًا للوصايا المُقدم على تشريعها. وهو يقول ذلك لا نيابة عن النواميس القديمة بل لأجل الذي يخاطبهم من أجل تفاعلهم معها وتحقيق الوصايا الكاملة. فأنصتوا لما يلي:

"فإني أقول لكم إن لم يزد بركم على الكتبة والفريسيين، لن تدخلوا ملكوت السماوات" (مت 5: 20). لأنه إن كان يقصد إلغاء ونقض ناموس العهد القديم، كيف يقول: "إن لم يزد بركم على..." لأن من يفعل نفس ما فعله القدامى لا يمكن أن يكون برّه زائدًا عنهم، فما هو المطلوب؟

--------------------------------------------------------------

لقراءة الأجزاء السابقة اضغط هنا: الجزء 1

 
 

Copyright  www.karozota.com

 
  
 

English