سؤال وجواب

تاريخ

لاهوت

روحانيات

الرئيسية

إن المسيحية إنما إنتشرت في العالم على يد الرسل الإثني عشر وتلاميذ المسيح الإثنين والسبعين. فإنهم بعد حلول الروح القدس...

 

قصص وحكايات

إقرأ الكتاب المقدس في عام

إنجيل الأسبوع

تحميل

روابط

اتصل بنا

 

اليوم الخامس للصوم الكبير

السلام


للإطلاع على الكلمات السابقة

7 6 5 4 3 2 1
14 13 12 11 10 9 8
21 20 19 18 17 16 15
28 27 26 25 24 23 22
35 34 33 32 31 30 29
42 41 40 39 38 37 36
49 48 47 46 45 44 43

   

 

مقدمة
يرغب الإنسان من أعماق قلبه في السلام. ولكنّه غالباً ما يجهل طبيعة الخير الذي يصوّب نحوه كلّ أمانيه. والسبُل التي يسلكها لاقتناء السلام ليست هي دائماً سبُل الله. ولذا، فلا بدّ له من أن يتعلّم من التاريخ المقدّس كيف يمكن السعي إلى السلام الحقيقي، وأن يصغي إلى الله المعلِن عطية هذا السلام في يسوع المسيح.
 

أولاً: السلام، سعادة كاملة
وحى نُقدر الحقيقة المتضمنة في هذا اللفظ تقديراً كاملاً، لا بدّ لنا من أن نحسَّ بنكهة التربة السامية التي نشأ فيها والتي لا تزال قائمة في التعبير عن السلام حتى في مفهومه الروحي العميق، كما نجدها في الكتاب المقدس بجملته.
 

1) سلام وهناء:
إنّ اللفظ العبري "شالوم" يشتقّ من مصدر يدل، تبعاً لمواطن استعماله، على وجود الشيء في وضعه السليم، الكامل (أيوب 9: 4)، مثل تشييد منزل (1 ملوك 9: 25)، أو يشير إلى الفعل الذي به تعاد الأشياء إلى وضعها القديم السليم، مثل ترضية داثن (خروج 21: 34)، أو الوفاء بنذر (مزمور 50: 14). لذلك، فليس السلام في الكتاب المقدس هو مجرد "الميثاق" الذي يتيح حياة هادئة، ولا "زمن الصلح" مقابل "زمن الحرب" (جامعة 3: 8، رؤيا 6: 4)، وإنما السلام يدل على هناء الحياة اليومية، ووضع الإنسان الذي يعيش في وئام مع الطبيعة، مع نفسه، ومع الله. وبصورة واقعية، هو بركة، وراحة، ومجد، وغنى، وخلاص، وحياة.
 

2) سلام وسعادة:
أن أكون "صحيح الجسد"، أو أن "أكون في سلام". هذان تعبيران. متوازيان (مزمور 38: 4). ويكون الاستفهام عن الصحة وعن الحال للإنسان بالسؤال: "هل هو سالم" (2 صموئيل 18: 32، تكوين 43: 27). ويقول الكتاب المقدس عن ابراهيم الذي "مات بشيبة صالحة شيخاً وقد شبع من الحياة" (تكوين 25: 8)، إنه قد ذهب بسلام إلى آبائه (تكوين 15: 15، راجع لوقا 2: 29). وبتعبير أوسع، السلام هو الأمان. ليس على جدعون أن يخاف الموت أمام الرؤية السماوية (قضاة 6: 23، راجع دانيال 10: 19) وليس على إسرائيل أن يخشى الأعداء، بفضل يشوع الظافر (يشوع 21: 44، 23: 1)، وداود (2 صموئيل 7: 1)، وسليمان (1 ملوك 5: 4، أيام 22: 9، سيراخ 47: 13). وأخيراً، السلام هو الوئام في حياة أخوية: إنّ عشيري، صديقي، هو " صاحب سلامي " (مزمور 41: 10، إرميا 30: 10). والسلام هو ثقة متبادلة، مثبتة غالباً بعهد (عدد 25: 12، سيراخ 45: 24) أو ميثاق حسن الجوار (يشوع 9: 15، قضاة 4: 17، 1 ملوك 5: 26، لوقا 14: 32، أعمال 12: 20).
 

3) سلام وتحية:
كلّ هذه الخيرات المادية والروحية، متضمنة في التحية، في الدعاء بالسلام (بالعربية: السلام عليكم) الذي يلقى، سواء في العهد القديم أو في العهد الجديد، في تعبير يعادل: "نهارك سعيد" و"إلى اللقاء"، سواء في المخاطبة الشفوية (تكوين 26: 29، 2 صموئيل 18: 29)، أو في المراسلات (مثلاً في دانيال 3: 98، فيلمون 3). على أنه، إذ حسن أن يرجو الإنسان السلام، أو أن يسأل عن استعداد الزائر إزاء السلام (2 ملوك 9: 18)، فذلك لأنّ السلام هو حالة يجب اكتسابها أو الدفاع عنها. إنه نصر على عدوّ ما. يرجو جدعون وآحاب أن يرجعا بسلام. أو أن ينتصرا في الحرب (قضاة 8: 9، 1 ملوك 22: 27- 28). وكذلك يلقى السلام لنجاح حملة استطلاعيّة (قضاة 18: 5- 6)، أو للتغلب على العقم (1 صموئيل 1: 17)، أو للتمنّي بالشفاء (إرميا 6: 14، إشعيا 57: 18- 19). وأخيراً، تقدّم "ذبائح سلام" للتعبير عن الشركة بين الله والإنسان (لاويين 3: 1).
 

4) سلام وبِرّ:
إنّ السلام هو أخيراً الخير بالتعارض مع ما هو شرّ (أمثال 12: 20، مزمور 28: 3، راجع مزمور 34: 15). "لا سلام للمنافقين " (إشعيا 48: 22)، وبالعكس، "لاحظ الكامل وانظر المستقيم فإن الذريّة لصاحب السلام " (مزمور 37: 37). وأيضاً " أما الودعاء فيرثون الأرض ويتلذّذون بكثرة السلام " (مزمور 37: 11، راجع أمثال 3: 2). إن السلام هو مجموعة الخيرات التي يمنحها الله للرجل البارّ. وهذه الخيرات تقوم في امتلاك أرض خصبة، والأكل حتى الشّبع، والسكنى في الأمان، والنوم بدون إزعاج، والانتصار على الأعداء والحصول على ذرية وفيرة العدد، فيتمّ كلّ ذلك في آخر الأمر بفضل وجود الله معنا (لاويين 26: 1- 13). فالسلام، بعيداً عن أن يكون عدم الحرب فحسب، هو بالأحرى كمال السعادة.
 

ثانياً: السلام عطية الله
إن كان السلام هو ثمرة البِرّ، فهل يكون الأشرار في سلام (مزمور 73: 3)؟ سيتوارد الجواب على هذا السؤال المثير للقلق، خلال التاريخ المقدّس كلّه. لقد اعتبر الإنسان السلام أولاً سعادة أرضية، وفيما بعد، بدا له خيراً يزداد روحانية أكثر فأكثر، بحكم مصدره السماوي.
1) إله السلام:
منذ بداية التاريخ المدوّن في الكتاب المقدّس، نرى جدعون يبني مذبحاً للرب ويدعوه "سلام الرب" (قضاة 6: 24). إن الله الذي له السلطان والهيبة (أيوب 25: 2)، يمكنه أن يجري السلام (إشعيا 45: 7). ومنه إذاً ننتظر هذا الخير. "تَعَظَّمَ الربُّ الذي يهوى سلام عبده" (مزمور 35: 27): يمنح السلام لإسرائيل (عدد 6: 26)، شعبه (مزمور 29: 11)، ويعطي بيت داود سلاماً (1 ملوك 2: 32). وكذلك الكهنوت (ملاخي 2: 5). ولذلك، من اعتمد على الرب يمكنه أن ينام بسلام (مزمور 4: 9، راجع إشعيا 26: 3). "إسألوا السلام لأورشليم! ليسعد: الذين يحبونك" (مزمور 122: 6، راجع مزمور 125: 5، 128: 6).
 

2) أعط السلام، يا رب:
يحصل الإنسان على هذه العطية الإلهيّة بالصلاة المفعمة ثقة، ولكن أيضاً بممارسة " أعمال البر"، لأنّ عليه، بحسب تدبير الله عينه، أن يشارك في تأسيس السلام على الأرض. وتبدو مشاركته ملتبسةً من جراء الخطيئة الحاضرة دائماً. إنّ تاريخ زمن القضاة هو تاريخ الله الذي يقيم محررين يكلفهم بأن يعيدوا السلام الذي فقده إسرائيل بخطاياه. قد ظن داود أنه قام بواجبه لما أراح البلد من كل أعدائه (2 صموئيل 7: 1) إلا أن الملك المثالي هو سليمان، ومعنى اسمه: رجل سلام (1 أيام 22: 9). وقد اتحد خلال ملكه شعبا الشمال والجنوب اتحاداً أخوياً (1 ملوك 5).
 

3) الكفاح من أجل السلام:
أ) الصراع النبوي:
ولكنّ هذا المثل الأعلى سرعان ما يفسد. فيحاول الملوك أن يحققوا السلام، لا كثمر للبرّ الإلهي، بل على أساس أحلاف سياسية تخلو من الإيمان. إنه لسلوك خدّاع تسنده كلمة ذات مظهر نبويّ صادرة عن بعض رجال، لا يعنون بسماع كلام الله، قدر مبالاتهم بمن " يلقّمهم في أفواههم" (ميخا 3: 5). وهم رغم حالة الخطيئة السائدة، يتجاسرون على إعلان سلام ثابت (إرميا 14: 13). فحوالى سنة 850، ينتصب ميخا بن يملة منكراً على هؤلاء الأنبياء الكَذَبة كلمة السلام وحقيقتها (1 ملوك 22: 13- 28). ويصبح الصراع حامياً بمناسبة حصار أورشليم (راجع إرميا 23: 9- 40). فعطية السلام تتطلب هجر الخطيئة، وبالتالي تسبقها عقوبة. يوجّه إرميا الاتهام قائلاً: "ويداوون كسر بنت شعبي باستخفاف، قائلين سلام سلام، وليس سلام" (إرميا 6: 14). ويصيح حزقيال: كفانا تطيين برديء الملاط... لا يبقى السور (حزقيال 13: 15- 16). ولكن عندما وقع السور، أخذ الذين كانوا يتنبأون بالخراب، يعلنون السلام من جديد، ليقينهم أنه لم يعد بعد محل للخداع. يعلن الله للمنفيّين: "لأن أفكاري التي أفكّر فيكم، أنا أعلمها، يقول الرب، أفكار سلام لا ضرّ، لأبقي لكم باقية ورجاء " (إرميا 29: 11، راجع 33: 9). يبت الله لهم عهد سلام، ويكفّ عنهم الوحش الضاري، مما يكفل لهم أمانة وبركة (حزقيال 34: 25- 30). لأنّ الله يقول: "ويكون مسكني معهم " (37: 26).
ب) السلام الإسكاتولوجي:
إن هذا الجدال حول السلام كامن في الرسالة النبوية برمّتها. وإذ أصبح السلام الحقيقي عنصراً أساسياً من عناصر الكرازة المتعلقة بالأزمنة الأخيرة، فإنه يتحرر من قيوده الأرضية وشبُهاته الشريرة المزيّفة. وتنتهي عادة تهديدات الأنبياء بإعلان تجديد وافر (هوشع 2: 20... عاموس 9: 00013 الخ). ويحلم إشعيا "برئيس السلام" (إشعيا 9: 6، راجع زكريا 9: 9- 10) الذي سيهب "سلاماً لا انقضاء له" (إشعيا 9: 6)، ويفتح فردوساً جديداً، لأنه "يكون هو سلاماً" (ميخا 5: 5). سوف تخضع الطبيعة لإنسان، وتتصالح المملكتان المنفصلتان (يهوذا وإسرائيل)، وتحيا الأمم في سلام (إشعيا 2: 2 ...، 11: 1 ...، 32: 15- 20، راجع 65: 25). "وينبت في أيامه الصدّيق " (مزمور 72: 7). إنّ إنجيل السنلام هذا (ناحوم 2: 1) أي الخلاص من سبي بابل (إشعيا 52: 7، 55: 12)، يحققه عبد الرب المتألم (53: 5)، الذي سوف يعلن بذبيحته مقدار ثمن السلام. حينئذ يكون "السلام للبعيد وللقريب، قال الرب، وسأشفيه" (57: 19). وسيتميز ولاة الشعب بالسلام والعدل (60: 17). "ها أنذا أدير إليها (أورشليم) السلام كالنهر، ومجده الأمم كالسيل الجارف" (66: 12، راجع 48: 18، زكريا 8: 12).جـ) أخبراً، إنّ التأمل في كتب الحكمة يتناول مسألة السلام الحقيقي. فمن جهة يؤكد الإيمان "أن الذين يحبون شريعتك لهم سلام جزيل، وما لهم من معثرة " (مزمور 119: 165)، ولكن من جهة أخرى يبدو أنّ الواقع ينفي ذلك (مزمور73: 3)، فتبرز حينئذٍ مشكلة الجزاء، ولن تجد هذه المشكلة حلّها كاملاً إلا مع الاعتقاد في بقاء الإنسان ما بعد الموت بقاءً كاملاً وشخصياً: "أما نفوس الصديقين فهي بيد الله... وفي ظن الجهال أنهم ماتوا... أما هم ففي سلام " (حكمة 3: 1- 3)، أي في كمال الخيرات والاتحاد بواهبها، وهذه هي السعادة الحقيقية.

ثالثاً: سلام المسيح
يصبح رجاء الأنبياء والحكماء حقيقة ممنوحة في شخص المسيح يسوع، لأنه به وفيه قهرت الخطيئة. ولكن، مالم تمت الخطيئة في كلَ إنسان، ومالم يأتِ الربّ في يوم ظهوره الأخير، يظل السلام خيراً مرجوّاً. فتحتفظ الرسالة النبوية بقيمتها: "ثمرة البر تزرع في السلام للذين يعملون من أجل السلام" (يعقوب 3: 18، راجع إشعيا 32: 17). هذه هي الرسالة التي يعلنها كلّ العهد الجديد.

 
 

Copyright©  www.karozota.com

 
  
 

English